02 September, 2010

العيد



كان صباح العيد أجمل يوم أنتظره، أمي تبخر لباسي وملابس اخواتي المتطابقة في الشكل والمختلفة في الحجم، وهي تملي توجيهاتها التي حفظتها عن ظهر قلب، علي وعلى اخواتي: حافظن على ملابسكن نظيفة وعلى ذهبكن، مريم همتك أختك الصغيرة، كوني مسؤولة عنها ولا تفلتي يدها في الهبطة، لا تضيعن العيدية في شراء الحلويات المنتهية والألعاب المتكسرة، لا اتحمل أن تمرض احداكن في هذه الفترة على الاقل

اطالع فستاني بفخر وأتخيل نفسي صبيحة العيد بين بنات عمي وبنات الجيران بفساتيننا الجميلة وملابسنا العمانية في عرض ازياء كنت أجده أروع شيء على الإطلاق.. اتوجه لسريري مبكرة على أمل أن يأتي الغد مبكرا أيضا، وأحاول النوم ولكن الحماس يمنعني.. يمر الوقت قبل أن أقرر التسلل للصالة حيث تسهر أمي وعماتي لمطالعة أخبار العاشرة ليلا.. يعيدني الخوف بسرعة إلى فراشي، فقد تذكرت أن قد أخبرني عبدالله إبن عمي عن الجني الذي يتمشى ليلا في الممرات ليأكل الأطفال، وأنه يفضل الطفلات السمينات مثلي

ويأتي الصبح اخيرا كالمفاجأة السارة، استيقض بسرعة وأصلي الفجر بسرعة أكبر وأنا لا أفقه شيئا من الصلاة إلا حركاتها، لأرتدي لباسي واصطف في طابور مع اخواتي امام أمي لتجدل شعري وشعرهن.. يستغل أخي محمد فرصة "عدم كونه من اصحاب الجدائل" ليحضى بالعيدية قبلي وقبل اخواتي.. انزل للصالة الكبيرة حيث يتجمع الكبار والصغار من أعمامي وأبناء عمومتي وأخوتي.. مريم تمسك بيدي وسمية بيد محمد.. يتبادل الجميع التهاني ويتحلق الاطفال حول الكبار لإستلام عيدياتهم. كنت أحسد أحمد وعمر على الريالات التي كانت تنهال عليهم من أبي وأعمامي

يناديني عمي، فأذهب بخطوات خجولة إليه.. يقبل خدي، يحتضنني، ويدس في كفي الصغيرة ربع ريال.. اطرق في خجل وسعادة غامرة، ثم ينادي ابنه الكبير العائد توًا من أمريكا ليعيدني.. كنت ارى ذلك قمة في المحبة والسخاء، وقد كان هكذا بالفعل

وقبل أن تقدم العرسية، يتجمع الكبار من أسرتي أمام الهاتف، في إنتظار إتصال من أبناء عمومتي المغتربين، تدمع عماتي شوقًا لأبنائهن، ويبدأ ابناء عمومتي بمشاكستهن والضحك عليهن.. لينتهي موقف الحزن بضحك وسعادة :)

في تلك الأثناء، نرتدي نحن الصغار احذيتنا إستعدادا للهبطة، كانت أمي قد خضعت لتوسلاتي قبل العيد، وابتاعت لي زوج الاحذية الحمراء اللامعة المزينة بورود بيضاء (ولسبب ما، تذكرت هذا الحذاء لما طالعت أطفال الجنة)، وكانت بنات عمي وأخواتي معجبات أيما إعجاب بذلك الحذاء

يمتلئ فناء بيت عمي بالعرائس والمسدسات المكسرة مغرب يوم العيد، ونعود للمنزل بملابس ممزقة أطرافها، وأحذية اختفت معالمها بفعل التراب والطين :)

هكذا كان كل عيد، وفي كل عيد وسنة تتغير امور قليلة، في كل عيد ازداد طولا واقترب من طول عمي وأبي، وفي الأعياد التي تلت، صارت أمي تطلب مني ما كانت تطلبه من أخواتي يوما ما: أنتي مسؤولة عن أخوتك الصغار، لا تفلتي يدهم في الهبطة! حتى كبر اخوتي وصار محمد ثم عائشة مسؤولين عمن تلاهم

جاء عيد تلو الاخر،و في العيد سنة 2001، لم يكن عمي هناك لأقارن طولي به، وكانت أمي، ولم يسابقها احد، هي اول من ترفع السماعة، لتحادث اخويي المغتربين وتبكي، ليشاكسها أبي فتضحك وتسكت، وتمر السماعة من يد لآخرى لنعايد اخوتي، وإبن عمي، وكثير ممن لم يعيد معنا بسبب ظروف العمل أو الدراسة

ومرت السنين، ويأتي كل فجر عيد محمل بالسعادة والحزن في آن واحد.. سعادة بيوم العيد، هدية الله لنا، وحزن لكل من فارقنا، لعمتي التي كانت تعد العرسية فجر العيد لكل الأسرة، لعمي عميد اسرتنا الراحل، لأخي محمد الذي أصبحت افتقد مزحاته الصاخبة صباح العيد ونكته على ما ارتدي، وصرت مع أمي، أنتظر بجانب الهاتف إتصالا منه وتدمع عيني، ليشاكسني اخي يعقوب، الذي لم يكن قد ولد بعد عندما كنت أخشى جني الممرات

رحل الكثير، وقدم لحياتنا الكثير.. ويبقى العيد اجمل مناسبة، مليئة بالمعاني الروحانية والتواصل 
..
أليست هذه سنة الحياة؟ :).
-----
قمت بتغيير الأسامي للخصوصية :)

8 comments:

Anonymous said...

اعجبني طرحك للأحداث،‏ شعرت بأنني عشتها للحظات،
هذه سنة الحياة،‏ فلا شيء فيها باق على ماهو عليه،
وبالنسبة لي كان للعيد احساس آخر عندما كنا صغارا..‏ كان عيدا!!‏

وأكتفي بقول انه مع رحيلهم رحل الكثير،،

Kitten said...

A beautiful-written post. Allah ye5aleekom leba3a'9.

FAITH said...

من زمان ما دمعت عيوني وانا اقرا شي

بأي حال عدت يا عيد :)

محفيف said...

رائع
عيشتيني الحدث بسردك الجميل

يبدو أن العيد أفضل حالا عندما يكون الانسان منا في مرحلة طفولته لأنه يتعامل بصدق مع الحدث ويعيش تفاصيله وهذا ما لا نتيحه لأنفسنا أو ما يتيحه لنا المجتمع عندما نكبر..
بوست جميل

Spot said...

Thank you all =)!
I totally agree with you, Ma7feef and anonymous =)

Just me said...

Am in tears ... so touching and true :)

Me Vs. Life said...

جميلة هي مشاعرنا
و جميلة افراحنا
مشاعر الفرحة و الحزن المختلطة
الشوق للغائبين و سعادة لقاء الحاضرين
العيد ...
اسلوبك جميل جدا ... السهل الممتنع !
مفردات سلسه و افكار متماسكه

مسأك عيد
@@

ns8t said...

nice. beautiful. good writer.