24 September, 2010

السعادة

كانت الايام العشر الاواخر من رمضان عندما بدأت بتطبيق جدول وقتي صارم لإستغلال آخر أيام رمضان وإجازتي الصيفية القصيرة فيما كنت أحسبُه مفيد.. إلا أن الظروف عاكست كل ما خططت له، بدايةً بمرضِ أُختي ونهايةً بتعطل شاحنتي الجميلة وبذلك تكنسلت كل مشاريعي الخارجية.
ليلة السابع والعشرين من رمضان، أخذت لي مقعدا في إحدى كراسي قسم الطوارئ، بإنتظار أن يتم تشخيص حالة اختي.. كانت الزيارة الثانية للمستشفى خلال اقل من يوم.. بدى قسم الانتظار هاديا وحكيتُ لنفسي أن المكان مناسب للقراءة حتى يأتي دورنا..
لم تمر لحظات قبل أن تجلس بجانبي إمرأة بدى لي انها في بدايةِ الثلاثينات من إحدى الدول العربية.. وبطريقة من ألفني وعرفني من زمان سألتني إن كنتُ أنا المريضة فأشرتُ لأُختي وأخبرتُها أني هنا معها..
بدأت المرأةُ تحكي بعفوية عن ابنتها الصغيرة ومرضها الذي بدأ ببداية الحرب على بلادها في سنة 2006.. ولأني إجتماعية وثرثارة من الدرجة الأولى فقد تفاعلتُ معها بشدة ونسيت الكتاب المفتوح امامي:
-          كل افراد اسرتي استعجلوا خروجي من بيروت وقت الحرب.. كان القصف متوقع أي وقت والمطارات مزحومة كثير.. وخفت ان ابقى هناك مع ابنتي بدون علاج
-          مرضها مزمن؟ 
-          مرضها يا ستي مبين فيها.
فتحت السيدة محفظتها واخرجت ظرف صغير فيه مجموعة صور وناولتني احداها.. بدت البنت وكأنها مصابة بمتلازمة داون.. أحسست بالشفقة وسألتها إن كانت بالفعل كذلك.. هزت رأسها نافية:
-          من الشهرالسابع للحمل ولغاية التاسع كانت تغذيتها ضعيفة كثير.. ما كان بيوصلها اوكسجين كفاية وهالشي اثر عليها ومأثر بنموها للحين.. عمرها 4 سنين.. بس عمر عقلها 8 اشهر
-          وليش الطبيب ما اكتشف هالشي؟ معقول اهمال؟
-          لااااا! أبدا.. الطبيب مش هين أبدا.. لكن هذا درس لي وله!
الله بيعلمه انه اعلم من هالطبيب..
وبيعلمني أقوي إيماني به وأحب بنتي..
احسست بالخجل من نفسي.. سبحان الله.. كم موقف كهذا مر بي من قبل؟ أحزن أكثر من الشخص المصاب.. كانت تتكلم أمامي بكل ثقة.. كنت أشعر أنها مصدقة لكل ما تقوله
أتألم لناس أصابتهم مصيبة وأحزن أكثر من حزنهم.. أنسى أن الله حكيم وعظيم.. يقويهم كما يختبرهم وأن جل ما يحتاجون إليه هو صبر وثقه.. الشيئين التي افتقر لهما في كثير من المواقف وتعوض عنهما الكآبة العقيمة.
-          قالوا لي لا تنجبي مرة أخرى.. نصحني الطبيب وكلمني.. لا تنجبي لأن المشكلة فيك وليست في طفلتك..
ولكن.. هل يعيب أبنائي أن يكونوا أقل ذكاء من اقرانهم؟ أحب الاطفال لأنهم اطفالي.. تعرفي إبن جيراننا في بيروت.. كان شديد الذكاء.. نجح بدراسته وتخرج وعمره عشرين سنه.. ومات في حادث مفاجئ وهو يحتفل بتخرجه... من يعلم ما يحدث في المستقبل؟ الاولاد والاعمار تجي وتروح بغمضة عين وكله بيد الله..
توقفَتْ قليلا وابتسَمَتْ بِرضى.. راجعتُ مسؤول الطوارئ للحظات وعدنا لإستكمال حديثنا الشيق..  اعادت السيدة فتح الظرف.. واخرجت صورة اخرى صغيرة لطفل جميل.. 
-          وهذا إبني الثاني.. سليم ومعافى وذكي الحمدلله.. كنت سأندم لو استسلمت وعرفت متأخرة أني سليمة ومعافاة وأني فوتت على نفسي تجربة امومة اخرى.
عند هذا الحد.. انتهى حوارنا.. وودعتها بسرعة قبل ان اتجه للطبيب الذي تولى اختي..
ليتني شكرتها ففي ذلك الوقت عرفت انه لا توجد للسعادة قوانين او مكونات.. ولا للحزن اسباب ثابته.. فسعادتنا هي نتاج افكارنا ومعتقداتنا.. والسعادة ليست حكرا للأصحاء أو للأغنياء... من قال أن الزهر لا ينبت وسط الصخر؟ فمِمن عانى الحرب والمرض تكلمت امامي من ظننتها من بعيد تملك من حجم الارض سعادة ورضى..
كانت تجربة حية، ودرس عظيم في مكان لم اتوقع ابدا ان اتعلم منه شيئا،، ملت صديقاتي من كثرة اعادتي لهذه القصة :)

22 September, 2010

بقولكم سالفة..










أكمل 21 خريفا (وليس ربيع.. بحكم كوني مولودة في الخريف) الجمعة القادمة بإذن الله.. بدأت الاستعدادات للإحتفال بمضي الـ21 سنة والواقع اني لا اريد ان احتفل بعيد ميلادي بقدر أني اخذتها حجة وسببا لإهدار الوقت وصرف النقود وتغيير الجو قبل أن يبدأ الدوام بقوة..
انا مولودة برج الميزان الأمر الذي سبب لي عقدة بشعة من سالفة الابراج والبقدونس وما شابهها من الطراطيش التي لا تخلو جريدة أو مجلة منها، اذكر في المرحلة الثانوية حركة غير طبيعية حدثت بعد أن قررت مديرتنا الموقرة مكافئة صفنا المتفوق برحلة إلى معرض الكتاب، وفي الباص المزركش بإقتباسات من مطرب العرب علي بحر وقلوب مكسرة وغير مكسرة اتفقت شلة من البنات على شراء كتب الابراج لماجي فرح وغيرها من البصارين وقارئي الفنجان والقلاصات والملاعق- إن كانت تُقرأ..
في الصف كان موعدنا.. في ذلك اليوم فقط.. من الصف الثاني عشر تعرفت لأول مرة على برجي: الميزان
اختلفت التشخيصات حسب مصلحة المُشخصات، اللي كانت تبي مصلحة بتدور أفضل وصف لبنت الميزان، والي مالها مصلحة ستنهش في لحمي وعظمي وبرجي المسكين الذي لم تمر ساعة مذ تعارفنا الأول:
راعية المصلحة: بنت الميزان.. تعشق التحدي والإثارة عنيدة مسيطرة لكن حنونة ومتفهمة (يعني بالعقل كيف مسيطرة وحنونة أنا ما فاهمة؟!) رومانسية تحب أكل البطاطس والعيش (طيب من ما يحب الاكل؟) ومولودة الميزان تتميز بقصر الانف وطول الوجه (ابدا ابدا!) ..
العدوة: بنت الميزان.. ساذجة يسهل الخداع عليها، تخشى شبح العنوسة... مهووسة بمنظرها وتحاول ان تخفي نقصها بإهتمامها بالملابس والمجوهرات.. تحب الذهب البنفسجي ولا تخاف الصعوبات.
مرت الايام ومرت ومرت.. وفي يوم من تلك الايام قرأت في إحدى المجلات وبالتحديد في باب "عزيزتي الدكتورة فوزية الدريع" مشكلة إحدى العاقلات التي انفصلت عن خطيبها لأنه كذب وأخفى عنها برجه الحقيقي لأنه لا يتلائم مع برجها بنسبة مئوية كبيرة.. بدأت احس بخطورة الوضع..
طبعا ساعتها حسيت بتضارب في المشاعر والاحاسيس الاقحوانية.. ركضت صوب البئر ورميت كرتي الذهبية فيه واخذت بالبكاااااء والبكااء اخذ بي في انتظار الضفدع ليخرج ويخلصني من عقدة القبح وشبح العنوسة الارجواني! (استغفر الله  اللهم اني صايمة!)
جد، شي يضحك.. دخلت الجامعة وفي جلسة من جلساتنا الدحية.. كنت اناقش احدى الأسئلة مع صاحبتي وفي غمرة تفاعلنا.. كانت احدى الفتيات تراقبني من مسافة.. حسيت كذا انها ما فوتت ولا كلمة ولا حركة ولا التفاته مني انا وصاحبتي.. اقتربت لتسأل.. انتي مولودة أي برج؟
كتمت ضحكتي بعنف: الميزان..
التفتت لصاحبتي وقبل أن تسألها قالت بإزدراء: ما مبين..! طبعا استفسرت عن السبب.. وساحتفظ به لنفسي لأسباب اجتماعية دينية وسياسية.
نقطة مفيدة جدًا: سألت رجلا حكيما من المتبحرين في علم الفلك ذات يوم عن تعريف وتفسير الابراج، فأجاب ببساطة:
يزعم علماء الابراج أن الابراج والنجوم الظاهرة في صفحة السماء في الفترة التي تصادف مولدك تؤثر في شخصيتك وطباعك، وتلعب دور في تحديد سلوكك اليومي.. وهو امر سخيف وغير معقول.. فالأولى أن تؤثر الأجرام السماوية الأقرب على حياتك.. كالشمس والقمر وعطارد وزحل والمريخ والمشتري ومذنب هالي.. ولو كان للابراج تأثيرا، ما الذي يجعل هذا التأثيرغير لحظي ودائم كالطبع والمرض الملازم لك دائما طول العمر.. ؟

02 September, 2010

العيد



كان صباح العيد أجمل يوم أنتظره، أمي تبخر لباسي وملابس اخواتي المتطابقة في الشكل والمختلفة في الحجم، وهي تملي توجيهاتها التي حفظتها عن ظهر قلب، علي وعلى اخواتي: حافظن على ملابسكن نظيفة وعلى ذهبكن، مريم همتك أختك الصغيرة، كوني مسؤولة عنها ولا تفلتي يدها في الهبطة، لا تضيعن العيدية في شراء الحلويات المنتهية والألعاب المتكسرة، لا اتحمل أن تمرض احداكن في هذه الفترة على الاقل

اطالع فستاني بفخر وأتخيل نفسي صبيحة العيد بين بنات عمي وبنات الجيران بفساتيننا الجميلة وملابسنا العمانية في عرض ازياء كنت أجده أروع شيء على الإطلاق.. اتوجه لسريري مبكرة على أمل أن يأتي الغد مبكرا أيضا، وأحاول النوم ولكن الحماس يمنعني.. يمر الوقت قبل أن أقرر التسلل للصالة حيث تسهر أمي وعماتي لمطالعة أخبار العاشرة ليلا.. يعيدني الخوف بسرعة إلى فراشي، فقد تذكرت أن قد أخبرني عبدالله إبن عمي عن الجني الذي يتمشى ليلا في الممرات ليأكل الأطفال، وأنه يفضل الطفلات السمينات مثلي

ويأتي الصبح اخيرا كالمفاجأة السارة، استيقض بسرعة وأصلي الفجر بسرعة أكبر وأنا لا أفقه شيئا من الصلاة إلا حركاتها، لأرتدي لباسي واصطف في طابور مع اخواتي امام أمي لتجدل شعري وشعرهن.. يستغل أخي محمد فرصة "عدم كونه من اصحاب الجدائل" ليحضى بالعيدية قبلي وقبل اخواتي.. انزل للصالة الكبيرة حيث يتجمع الكبار والصغار من أعمامي وأبناء عمومتي وأخوتي.. مريم تمسك بيدي وسمية بيد محمد.. يتبادل الجميع التهاني ويتحلق الاطفال حول الكبار لإستلام عيدياتهم. كنت أحسد أحمد وعمر على الريالات التي كانت تنهال عليهم من أبي وأعمامي

يناديني عمي، فأذهب بخطوات خجولة إليه.. يقبل خدي، يحتضنني، ويدس في كفي الصغيرة ربع ريال.. اطرق في خجل وسعادة غامرة، ثم ينادي ابنه الكبير العائد توًا من أمريكا ليعيدني.. كنت ارى ذلك قمة في المحبة والسخاء، وقد كان هكذا بالفعل

وقبل أن تقدم العرسية، يتجمع الكبار من أسرتي أمام الهاتف، في إنتظار إتصال من أبناء عمومتي المغتربين، تدمع عماتي شوقًا لأبنائهن، ويبدأ ابناء عمومتي بمشاكستهن والضحك عليهن.. لينتهي موقف الحزن بضحك وسعادة :)

في تلك الأثناء، نرتدي نحن الصغار احذيتنا إستعدادا للهبطة، كانت أمي قد خضعت لتوسلاتي قبل العيد، وابتاعت لي زوج الاحذية الحمراء اللامعة المزينة بورود بيضاء (ولسبب ما، تذكرت هذا الحذاء لما طالعت أطفال الجنة)، وكانت بنات عمي وأخواتي معجبات أيما إعجاب بذلك الحذاء

يمتلئ فناء بيت عمي بالعرائس والمسدسات المكسرة مغرب يوم العيد، ونعود للمنزل بملابس ممزقة أطرافها، وأحذية اختفت معالمها بفعل التراب والطين :)

هكذا كان كل عيد، وفي كل عيد وسنة تتغير امور قليلة، في كل عيد ازداد طولا واقترب من طول عمي وأبي، وفي الأعياد التي تلت، صارت أمي تطلب مني ما كانت تطلبه من أخواتي يوما ما: أنتي مسؤولة عن أخوتك الصغار، لا تفلتي يدهم في الهبطة! حتى كبر اخوتي وصار محمد ثم عائشة مسؤولين عمن تلاهم

جاء عيد تلو الاخر،و في العيد سنة 2001، لم يكن عمي هناك لأقارن طولي به، وكانت أمي، ولم يسابقها احد، هي اول من ترفع السماعة، لتحادث اخويي المغتربين وتبكي، ليشاكسها أبي فتضحك وتسكت، وتمر السماعة من يد لآخرى لنعايد اخوتي، وإبن عمي، وكثير ممن لم يعيد معنا بسبب ظروف العمل أو الدراسة

ومرت السنين، ويأتي كل فجر عيد محمل بالسعادة والحزن في آن واحد.. سعادة بيوم العيد، هدية الله لنا، وحزن لكل من فارقنا، لعمتي التي كانت تعد العرسية فجر العيد لكل الأسرة، لعمي عميد اسرتنا الراحل، لأخي محمد الذي أصبحت افتقد مزحاته الصاخبة صباح العيد ونكته على ما ارتدي، وصرت مع أمي، أنتظر بجانب الهاتف إتصالا منه وتدمع عيني، ليشاكسني اخي يعقوب، الذي لم يكن قد ولد بعد عندما كنت أخشى جني الممرات

رحل الكثير، وقدم لحياتنا الكثير.. ويبقى العيد اجمل مناسبة، مليئة بالمعاني الروحانية والتواصل 
..
أليست هذه سنة الحياة؟ :).
-----
قمت بتغيير الأسامي للخصوصية :)